مبداء الفصل بين السلطات وتمايز الانظمة السياسية في ضوئه
إن مبدأ الفصل بين السلطات من أهم المبادئ التي قامت عليها الديمقراطيات الحديثة، ويعني توزيع وظائف الدولة على هيئات مستقلة تباشر السلطة طبقا للدستور والقانون دون استبداد أو طغيان وقد تعددت أساليب تطبيقه حسب العلاقة التي تنشأ بين كل سلطة وغيرها من السلطات، ومن هنا تمايزت الأنظمة السياسية، حيث قام بعضها على أساس التعاون والمراقبة المتبادلة بين السلطات – النظام البرلماني، وأخذ بعضها بمبدأ الاستقلال التام – النظام الرئاسي، في حين أخذ بعضها بنظام دمج السلطات وتبعية الهيئة التنفيذية للهيئة التشريعية – النظام المجلسي أو حكومة الجمعية. وتأتي أهمية البحث في المبدأ – رغم كثرة الكتابات فيه – من أهميته القانونية والسياسية، كونه أهم الضمانات الكفيلة للدولة القانونية، كما تأتي أهمية البحث فيه من خلال معرفة مدى التطور القانوني والسياسي الذي طرأ على المبدأ مؤخرا لا سيما مع تزايد وظائف وصلاحيات السلطة التنفيذية، ولعل كل ذلك –أيضا- كان من دواعي البحث وأهدافه. وتكمن إشكالية البحث في مفهوم مبدأ الفصل بين السلطات والمعنى المراد منه، فهل قصد به الفصل التام والجامد أم أريد به الفصل المرن؟ هذا من جانب، ومن جانب آخر هل لا زال المبدأ يحظى بالأهمية نفسها إبان ظهوره كسد منيع أمام التسلط والاستبداد وكحارس للحريات، أم فقد تلك الأهمية مع ترسخ الديمقراطيات واستقرار مفهوم الدولة القانونية؟! وقد اتبعت في مطالب البحث المنهج التاريخي الوصفي – كما في المطلب الأول – ومنهج التحليل العملي – كما في المطلب الثاني والثالث – وفي ضوء ما تقدم من إشكالية البحث، فقد قسمته الى ثلاثة مطالب وخاتمة، كالآتي: