القوة الناعمة: نظرية جوزف ناي (•) بين التطور والانتقادات
الباحث الأول:
مجلة الباحث الإعلامي
المجلة:
كلية الإعلام جامعة بغداد
تاريخ النشر:
None
مختصر البحث:
القوة الناعمة: نظرية جوزف ناي (•) بين التطور والانتقادات:
د. حسين هتيمي/ كلية الآداب جامعة الكوفة
قدم جوزف ناي مصطلح القوة الناعمة لأول مرة في كتابه (ملزمون بالقيادة) (1990)، والذي تحدث فيه عن قوة أمريكا العظمى، وان تلك القوة لا تتمثل فقط بالقوة ا…
القوة الناعمة: نظرية جوزف ناي (•) بين التطور والانتقادات:
د. حسين هتيمي/ كلية الآداب جامعة الكوفة
قدم جوزف ناي مصطلح القوة الناعمة لأول مرة في كتابه (ملزمون بالقيادة) (1990)، والذي تحدث فيه عن قوة أمريكا العظمى، وان تلك القوة لا تتمثل فقط بالقوة العسكرية والاقتصادية بل في بعد ثالث وصفه بالقوة الناعمة، وذكرها عام (2001) و(2004) في كتابيه (مفارقة القوة الأميركية) و(القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية) ( ). وعرفها "ناي" بانها القدرة للحصول على ما تريد بالجذب والترغيب دون الاكراه والترهيب. ثم ذكرها في كتابه الرابع الذي حمل عنوان: (مستقبل القوة) عام (2010)، والذي جاء تطويراً لكتاب (القوة الناعمة وسيلة النجاح...)، كما رد على الانتقادات التي وجهت لـ “ناي" وعمل فيه على شرح انماط القوة الثلاثة (القوة العسكرية، القوة الاقتصادية، القوة الناعمة) بشكل مفصل، واوضح أن الاستعمال الصحيح للأنماط الثلاثة يحقق ما يعرف بالقوة الذكية التي تعني توظيف كل من القوة الناعمة والقوة الصلبة في تحقيق اهداف الدولة في العلاقات الدولية ( ). على مدى أكثر من عقدين نشر "ناي" حوالي اربعة كتب والمئات من المقالات، واشترك بالعديد من المحافل الدولية لتسويق مصطلح القوة الناعمة، ويبدو واضحا مدى اعتزازه وافتخاره بانتشار مصطلح القوة الناعمة بشكل عالمي، إلا إن اطروحته لم تخلو من الانتقادات اهمها:
• ناقش مركز الحرب الناعمة للدراسات في سلسلة من الكتيبات مصطلح (القوة الناعمة) وقبل الخوض بمناقشة انتقادات المركز نلاحظ أن القائمين على المركز استعملوا مصطلح (حرب) بدل من مصطلح (قوة) معللين ذلك بأن صاحب المصطلح جوزف شغل مناصب عليا في الادارة الأميركية اهمها: مستشار وزير الدفاع السابق "رامسفيلد" وان السبب وراء تحول أمريكا من الحرب الخشنة (القوة العسكرية) إلى الحرب الناعمة يعود إلى سلسلة الهزائم التي لحقت بالجيش الأمريكي في افغانستان والعراق،( ) فضلا عن قلة التكلفة والجهد مقارنة بالحرب التقليدية لكي تساعدهم على تجنب المزيد من الفشل، وتعينهم على تحقيق اهدافهم، وتنفيذ استراتيجياتهم الخارجية، وتحسين صورة أميركا لدى شعوب العالم باعتماد القوة الناعمة نحو الانتاج الثقافي، والشعارات البراقة كالديمقراطية، وحقوق الانسان، وحرية الفكر والاعتقاد ( )، كما إن الحرب الناعمة لا يمكن رصدها من الوكالات الدولية، فهي حرب صامتة لا يسمع فيها صوت ازيز الرصاص وانفجار القنابل. كما وصف المركز مشروع "ناي" بتسويق مصطلح القوة الناعمة بالاستراتيجي، والسياسي، والعسكري، الذي يقوم بنقل المعركة من الميدان العسكري الصلب حيث التفوق لعقيدة القتال والموت والصبر التي يتقنها اعداء أمريكا إلى الميدان الناعم وأدواته التكنولوجية والاتصالية والإعلامية، حيث التفوق لأمريكا وحلفائها. ( ) وبعيدا عن الصراع السياسي أرى أن استعمال كلمة (حرب) بدلا من كلمة (قوة) غير صحيح لان القوة ليست مرادف للحرب، فالحرب نشاط له هدف وزمان محدد أي له بداية تنتهي بتحقيق الاهداف التي قام من اجلها. أما القوة فهي قدرة توظف في الحرب أو السلم وليس لها وقت محدد، والقوة الناعمة أو القوة العسكرية أو القوة الاقتصادية قدرات اساسية لقيام اي دولة وهي اوسع واشمل من (الحرب الناعمة) أو الحرب العسكرية أو الاقتصادية. والقدرات تمتلكها دولة ما ولها مؤسسات مختصة نحو وزارة الدفاع، أما الحرب فهي نشاط مؤقت تقوم به المؤسسة العسكرية، أي إن الحرب ظاهرة مؤقتة، والقوة ظاهرة مستمرة لا تنتهي، كذلك يعد المركز القوة الناعمة (الحرب الناعمة) مرادفاً للحرب النفسية، وهذا لا يجوز إذ هناك فرق بين المفهومين فالحرب النفسية نشاط اتصالي، والقوة الناعمة قدرة يتم توظيفها في الانشطة الاتصالية.
• هناك من انتقد فكرة القوة الناعمة واتهم "ناي" بالخداع والتضليل لتسويق مشروعه، وذهب إلى عدم التسليم بفكرة ناي بالمقارنة بين القوة الصلبة (العسكرية، الاقتصادية) والقوة الناعمة؛ لأن الصلة بينهما لا تكاد تنفصل إلا نادراً، فالباحث الالماني "جون جالتونغ" يرى أن السيطرة الدولية لا تنفصل بأي حال من الاحوال عن آليات الترويض الثقافي والسياسي التي تستخدمها القوى الدولية الكبرى ضد من هو اضعف منها عسكريا واقتصاديا، ومن ثم فان وجود النخب السياسية والثقافية في الدول التابعة (الدول الاضعف) ذات تناغم مع مصالح وأولويات الدول الكبرى، وذات انسجام مع رؤيتها العامة يغني في الكثير من الاحيان عن الحضور العسكري المباشر.( ) وهذا الرأي اطلع عليه "ناي" ففي كتابه "مستقبل القوة" حاول الرد على تلك الانتقادات ورفض اتهامه بالفصل بين انماط القوة بل أكد على استخدامها جميعها لتحقيق القوة الذكية، إلا إننا نلحظ انه حاول فعلا تقديم القوة الناعمة كبديل استراتيجي في العلاقات الدولية، وحاول في أكثر من موضع تعظيم الاساليب الناعمة لتحقيق السيطرة وهذا يؤكد ما ذهب إليه "جالتونغ".
• تعدد تعريفات "ناي" نفسه لمفهوم القوة الناعمة وتناقضها احيانا، فمن جانب يصف "ناي" القوة الناعمة بأنها قوة تعاونية وغير اكراهية، لا تقوم على الدعاية السياسية المستندة إلى الارسال دون الانصات، أي إنها تحقق مصالح الطرفين (تواصل اخلاقي) وهي بذلك تقترب كثيرا من اعتماد الأنموذج الرابع لممارسة العلاقات العامة (الاخلاقي) "للجرونج". إلا إن "ناي" يتكلم في موضع آخر عن قيام هذه القوة بالتلاعب بجداول اعمال الآخرين وتفضيلاتهم، وبناء واستغلال المؤسسات الاكثر اتساقا مع قيم الفاعل ومصالحه لإضفاء مشروعية على تلك المصالح. ( )
• كما يطرح علي جلال معوض اشكالية أخرى على اطروحة "ناي" في وجود جانب رئيس لم يتطرق له "ناي" هو الوجه الداخلي أو الدفاعي لهذه القوة، فبينما ركز في الجانب الخارجي للقوة الناعمة دون الجانب الداخلي مما يعني القدرة على الدفاع ومواجهة الاخرين، والقدرة على مقاومة الخضوع لقوتهم ومحاولاتهم للتأثير، فالدولة قوية في حدود مناعتها في مقاومتها التأثير أو الاكراه الخارجي التي يحاول الآخرون ممارستها تدخلا في صياغة سياستها أو تنفيذها. أي إن جزءاً اساسياً من القوة الناعمة للدولة هي حصانته ضد التأثر بالقوة الناعمة للدول الاخرى ( ).
• كما تم انتقاد فكرة القوة الناعمة لكونها حادة جدا، ولينة جدا، وغامضة جدا، لذلك كانت هناك دعوة إلى المزيد من الوضوح فيما يتعلق بمفهوم القوة الناعمة.
مما تقدم نجد أن الانتقادات التي وجهت لمن صك المصطلح "ناي" اقتصرت على المفهوم دون المصادر التي تتأتى منها القوة الناعمة، لذا يمكن عد تلك الانتقادات محاولات لصقل المفهوم أو تكميله أو تغييره على وفق آرائهم الخاصة. ونرى أن اغلب تلك الانتقادات كانت نتيجة لعد القوة الناعمة نشاطاً قائماً بذاته في حين "ناي" لم يتحدث عن نشاط بل قدرات منذ صدور كتابه الاول في مطلع تسعينيات القرن العشرين، وبطبيعة الحال يمكن توظيف القدرات في انشطة ايجابية أو سلبية.
المصادر: