مختصر البحث:
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم, وبعد...
قال تعالى في محكم كتابه ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) سورة القلم :4, وقال رسول الله (ص): (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)رواه البيهقي:10/192, وقال(ص) أيضا: (أدبني ربي فأحسن تاديبي) رواه الم…
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم, وبعد...
قال تعالى في محكم كتابه ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) سورة القلم :4, وقال رسول الله (ص): (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)رواه البيهقي:10/192, وقال(ص) أيضا: (أدبني ربي فأحسن تاديبي) رواه المجلسي:16/210, إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال تعالى: ((وإنك لعلى خلق عظيم)) . ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( حسن الخلق خلق الله الأعظم ) كنز العمال:3/3. وقال صلى الله عليه وآله : (ألا أخبركم بأشبهكم بي ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أحسنكم خلقا ، وألينكم كنفا، وأبركم بقرابته ، وأشدكم حبا لإخوانه في دينه، وأصبركم على الحق، وأكظمكم للغيظ، وأحسنكم عفوا، وأشدكم من نفسه إنصافا في الرضا والغضب . وقيل له صلى الله عليه وآله : أي المؤمنين أفضلهم إيمانا ؟ قال : أحسنهم خلقا . وقال صلى الله عليه وآله :( أكثر ما يلج به أمتي الجنة : تقوى الله، وحسن الخلق )الكافي:2/241 . كما أكد رسول الله ( ص ) على حسن الخلق بقوله:( ما يوضع في ميزان يوم القيامة أفضل من حسن الخلق) الكافي:2/99, إن مطالعة يسيرة في حياته وأخلاقه وسجاياه حري بأن يؤمن بنبوته.
إن الرسول الأعظم)ص) الذي رفع في الأرض شعلة السماء, والذي جاء يصحح للإنسانية مسيرتها وعلى رأسها تنظيم العلاقات الإنسانية الراشدة في دعم قوى الحياة, ثم يأتي دور الإنسان ليكمل عمله الفذ في إضاءة الضمير الإنساني بنور الخير ودفع التقدم الإسلامي إلى الكمال.
فقد جاءت الأحاديث الكريمة حافلة بتوجيهات الرسول الخيرة لتستوعب كل صور هذه العلاقات وترسم لها طريقها الصحيح, وعندما تحدث رسول الله (ص) عن حق المسلم على المسلم فقد وضع دستوراً في ذلك, بحيث اتجهت أحاديث الرسول (ص) إلى تنظيم المجتمع لتغطيتها في دقة متناهية حيث لم يتجاوز حقاً من حقوق المسلم على المسلم إلا بيَّنَه وأكد عليه فكانت توجيهاته الكريمة في هذا المضمار بلسماً شافياً وترياقاً مباركاً, وجاء من بعده أهل بيته (ع) وأكملوا مسيرته فهذا الإمام علي زين العابدين(ع) ووضع دستورا في الحقوق والذي عدت رسالته أول رسالة في الإسلام في معرفة حقوق الإنسان في دنياه وأخراه.
فالأخلاق في منظومة تعاليم الإسلام هي المبادئ والأسس التي تنظم سلوك الإنسان، والتي جاء بها الوحي لتحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على الوجه الأكمل والأتم .
وهذا النظام في العمل من أجل الحياة الخيرية، وهو طراز السلوك وطريقة التعامل مع النفس والله والمجتمع .
وهو نظام يتكامل فيه الجانب النظري مع الجانب العملي منه، وهو ليس جزءًا من النظام الإسلامي العام فقط، بل هو جوهر الإسلام ولبه وروحه السارية في جميع نواحيه: إذ النظام الإسلامي مبني على مبادئه الخلقية في الأساس، بل إن الأخلاق هي جوهر الرسالات السماوية على الإطلاق.
إذن, الغرض من بعثته محمد (ص) هو إتمام الأخلاق، والعمل على تقويمها، وإشاعة مكارمها، وهذا المعني يطغى على الرسالات الإلهية جميعها .
ولما للأخلاق من أهمية نجدها في جانب العقيدة حيث يربط الله سبحانه وتعالى ورسوله (ص)) بين الإيمان وحسن الخلق، ففي الحديث لما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أفضل إيمانا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : "أحسنهم أخلاقاً " رواه الطبراني في الأوسط .
ثم إن الإسلام عدّ الإيمان برًّا، فقال تعالى : (( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ))(البقرة: 177)
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " البر حسن الخلق " رواه مسلم, والبر صفة للعمل الأخلاقي أو هو اسم جامع لأنواع الخير.
وكما نجد الصلة بين الأخلاق والإيمان ، نجدها كذلك بين الأخلاق والعبادة إذ إن العبادة روح أخلاقية في جوهرها؛ لأنها أداء للواجبات الإلهية. ونجدها في المعاملات - وهي الشق الثاني من الشريعة الإسلامية بصورة أكثر وضوحاً .
وهكذا نرى أن الإسلام قد ارتبطت جوانبه برباط أخلاقي، لتحقيق غاية أخلاقية، الأمر الذي يؤكد أن الأخلاق هي روح الإسلام، وأن النظام التشريعي الإسلامي هو كيان مجسد لهذه الروح الأخلاقية .
ولو تأملنا في لفظة الحق وجدناها عميقة ودقيقة في استدلالاتها وتطبيقاتها, فقد أقيمت السماوات والأرض عليها وفيها نزلت تعاليم أعظم كتاب عرفته البشرية, فتربعت في قلب بنياته ونامت في حجرات آياته وهي سنام مواعظه وأحكامه والله جللها من جلاله وأكدها لمخلوقاته وأنزلها في وجدان أنبيائه وأرجائه ومحبيه فهم مع الحق والى الحق ومن الحق له سائرون وفيه مستنيرون وبه مهتدون أجل فالإسلام دين الحق ونبي الإسلام نبي الحق ورجالات الإسلام هم رجال الحق .
والحقوق جمع مفرده الحق والمقصود به ما ثبت لصاحبه استيفاؤه ممن هو عليه بمقتضى الشرع وهو بهذا المعنى ينقسم إلى واجب كنفقة من تجب نفقته كالزوجة ومستحب كسلام الواحد على الجماعة .
وقد شرع الله سبحانه جميع أحكامه التكليفية الأربعة للقيام بأداء الحقوق سواءً أكانت حقوقاً لله سبحانه أو لنفس المكلف على نفسه أو للموجودات الأخرى بما فيها الحيوان والإنسان وكل ما يتصرف به , الذي يهمنا في بحثنا هذا هو حقوق المسلم التي رتبها الله تعالى وأوجبها على المسلم والتي تجب رعايتها والحفاظ عليها لأنها سر تقدم المسلمين وانتصارهم فهي حقوق شاملة وكثيرة سنقف في هذا البحث على جلها متوكلين على الحي القيوم وعلى مائدة الرسول الأكرم ) ص).
ولأهمية الموضوع ودقته لكونه يرمي إلى بناء المجتمع الإسلامي المثالي وتثبيت دعائم الأخوة بين المؤمنين وإقامة العلاقات الإنسانية القائمة على الحب والمودة والتكافل والقضاء على الرذائل والأخلاق السيئة فمن هدي الرسول العظيم(ص) استطعنا أن نرسم الصورة المضيئة المباركة لمجتمع إسلامي متعاون, فقد جاءت خطة البحث متضمنة مقدمة ومبحثين, وخاتمة ولأهم النتائج, أحتوى المبحث الأول على ثلاثة مطالب حول إنسانية الإسلام والأخوة الإسلامية والبعد الإنساني عند رسول الله (ص), أما المبحث الثاني فقد تضمن الأحاديث الواردة في حقوق المسلم على المسلم ودلالاتها, أما الخاتمة فكانت موجزاً لأهم ما ورد في البحث من أفكار, بملاحظة أن منهجية البحث في معالجة الأحاديث التي تمت دراستها وتحليلها, أنه لم يناقش سند الأحاديث لكونها أحاديث إرشادية وليست مولوية يبتني عليها حكم شرعي فرعي وفيها من التسامح الكثير لبتنائها على قاعدة (التسامح في أدلة السنن).