مختصر البحث:
تُعد النجف مدينة تاريخية و دينية مقدسة ، لها مكانتها الخاصة ليس في العراق فحسب و انما في الوطن العربي و العالم الإسلامي ، وقد اخترت الكتابة عن تاريخ النجف الاجتماعي في الفترة ما بين ( 1932 – 1968 ) لأني وجدت ندرة في الدراسات التاريخية للتواريخ المحل…
تُعد النجف مدينة تاريخية و دينية مقدسة ، لها مكانتها الخاصة ليس في العراق فحسب و انما في الوطن العربي و العالم الإسلامي ، وقد اخترت الكتابة عن تاريخ النجف الاجتماعي في الفترة ما بين ( 1932 – 1968 ) لأني وجدت ندرة في الدراسات التاريخية للتواريخ المحلية بشكل عام ، و الاجتماعية منها بشكل خاص ، خلال تلك الفترة المهمة ، فلم يكن بالإمكان إغفالها او تناسيها .
قُسم الكتاب الى مدخل و تسعة فصول ، استعرض المدخل السمات الأساسية للموقع ، و تطور النشأة ، و العوامل المؤثرة فيها.
و تناول الفصل الأول خطط المدينة و العوامل المؤثرة فيها كالعامل الجغرافي ، و الديني ، و الاجتماعي ، و الجيولوجي ، و العسكري ، ثم تعرض للمعالم العمرانية و خصائصها المعمارية كالبيوت ، و المدارس الدينية ، و الأسواق ، و الخانات ، و المقابر .
اما الفصل الثاني فقد درس التشكيل الإداري للنجف ، و الأسباب التي دعت سلطات الاحتلال و الانتداب البريطاني ، و من بعدها الحكومات العراقية الى وضع النجف في تشكيل إداري ضيق يمنع تحقيق الاتصال بين النجف و التجمعات العشائرية التي حولها للحد من تأثيراتها النفسية , و الاجتماعية ، والسياسية .
و تعرض الفصل الثالث لموضوع السكان في النجف , كما درس الفصل الهجرة الداخلية من القرى و القصبات و المدن العراقية با تجاه مدينة النجف , كما تم دراسة الهجرة الأجنبية باتجاه المدينة ، و الدوافع التي كانت تقف وراءها كالدافع الديني ، و الدافع الثقافي ، و الدافع الاقتصادي ، مع إحصاءات بأعداد , و نسب الأجانب في المدينة خلال فترة البحث و قبلها ، ثم نتائج هذه الهجرة و انعكاساتها على المجتمع النجفي وردود الفعل اتجاهها .
و قدم الفصل الرابع دراسة لمجتمع النجف ، و خصائص أفراده , من خلال بحث أصول السكان ، و البيئة الاجتماعية النجفية ، و شخصية الفرد , و طبيعة المجتمع ، و ما تميز به من فردية ظاهرة نتج عنها تعدد الزعامات و الولاءات , مما ادى الى إذكاء الصراع الداخلي و التغالب الاجتماعي على خلفيات متعدده و على الرغم من النتائج السلبية التي قد ينتج عنها صراع الأفراد و الجماعات إلا انه يبقى للصراع الاجتماعي و الفكري آثاره الايجابية , إذ انه يحرك الأوضاع الراكدة , و يولد وعياً جديداً يدفع بالمجتمع الى التغيّر و التقدم .
و استعرض الفصل الخامس التعليم الديني الذي اشتهرت به النجف بصفتها مركزاً متقدماً للبحث و الفكر الشيعي ، فتمت دراسة التطور التاريخي للتعليم الديني ، و أسلوب الدراسة الدينية كنظام الحلقات , و الدراسة الفردية ، و المراحل الدراسية التي يمر بها الطالب . ثم تم استعراض المواد الدراسية و الكتب القديمة المعتمدة فيها ، و محاولات تجديدها .
و تطرق الفصل السادس للتعليم الديني الحديث الذي سعى القائمون عليه الى التوفيق بين ماهو قديم واصل ، وبين متطلبات العصر و الحداثة ، لخلق تعليم ديني يستوعب ما مطلوب منه من تجديد و تم استعراض مناهج هذه المدارس الإصلاحية , و مراحلها الدراسية , و أعداد طلابها و مميزاتها و صولاً الى تقويم التجربة .
اما التعليم الأهلي والأجنبي في النجف فقد كان محور الفصل السابع ، اذ تم فيه دراسة الكتاتيب و دورهم التعليمي في ظل غياب المدرسة الحديثة , و تم دراسة المدارس الأجنبية كالعلوية و المرتضوية ، ثم مدرسة الغري الأهلية التي كان لها الدور الرائد في عملية ترسيخ قواعد التعليم الحديث في مدينة النجف المحافظة , و تطرق الفصل الى مشروع تأسيس جامعة الكوفة الأهلية و ما جرى له من إعداد ، و ما واجهه من صعوبات وصولاً الى قرار وزارة الداخلية بحل الجمعية المؤسسة لجامعة الكوفة الأهلية في ( 30 كانون الثاني 1969 ) .
اما التعليم الحكومي فقد تمت دراسته في الفصل الثامن ، اذ تم بحث واقع التعليم الحكومي قبل سنة ( 1932 ) , كما تم دراسة تعليم البنات في المدينة , و المحاولات التي جرت لافتتاح أول مدرسة لهن ، و المشاكل التي رافقت تلك العملية و تم بحث موضوع محو الأمية و التعليم المسائي للكبار و أثرهما في زيادة عدد المتعلمين . اما تطور التعليم خلال السنوات ( 1932 – 1968 ) فقد تم تخصيص المبحث الرابع له من خلال دراسة التوسع الحاصل في عدد المدارس ، و الملاكات التعليمية ، و أعداد التلاميذ و الطلبة ، فضلاً عن متابعة التطور الحاصل في ميزانية التعلم , و مشروع التغذية و إكساء التلاميذ .
و أخيرا كشف الفصل التاسع عن واقع الخدمات الصحية في النجف و تطورها من خلال دراسة الإدارة الصحية العاملة في المدينة و النقص الحاصل فيها , و الأوبئة التي كانت تغزو المدينة و أسباب انتشارها ، فضلاً عن لجوء الناس الى التداوي بالرقى و الأعشاب . ثم جرى تقويم للأوضاع الصحية و الخدمات المقدمة مع الأخذ بنظر الاعتبار الواقع الصحي العام في العراق ككل .
و قد عززت المعلومات التي وردت في هذه الفصول بالإحصاءات و الأرقام مع ( 68 ) جدولاً مختلفاً تضمنت عرضاَ و مقارنةً لمختلف المعلومات و الإحصاءات المتعلقة بمختلف جوانب الحياة الاجتماعية في النجف .
اعتمد الكتاب على الوثائق العراقية الرسمية غير المنشورة بالدرجة الأولى ، و هي على جانب كبير من الأهمية ، لانها توضح مواقف السلطات الحكومية ازاء النجف و ما يجري فيها من أحداث و مواقف و ممارسات . و انها تكشف لنا عن الكثير من الجوانب السرية لتلك المواقف و لا سيما ما كان يقدم من تقارير سرية لمسؤولي الإدارة في النجف , او متصرفية لواء كربلاء ، من تقارير عمومية او خاصة ، او تقارير دورية نصف شهرية ، و شهرية , و فصلية , و سنوية ، التي كانت تتضمن معلومات سرية على درجة كبيرة من الأهمية ، تتعلق بمختلف تفاصيل جوانب الحياة العامة في المدينة ، و متابعات دقيقة لما يجري فيها من انشطة سياسية و اقتصادية و فعاليات اجتماعية ، كما تضمنت إحصاءات عن مختلف الأمور و الأنشطة و الخدمات , كما قدمت لنا هذه التقارير تحليلات مختلفة عن شخصية الفرد النجفي , و طبيعة المجتمع , و ما يسود فيه من عادات و تقاليد و ممارسات . وهي بذلك رسمت لنا صورة واضحة عن الحياة الاجتماعية في المدينة .
و فضلاً عن ذلك كان للتقارير السرية لهيئة التفتيش الإداري المقدمة من قبل المفتشين الإداريين للمنطقة الرابعة الأثر الكبير في استكمال عناصر الحدث للكثير من الممارسات و الأنشطة و الخدمات . و قد امتازت هذه التقارير بالمهنية العالية و الدقة الكبيرة في إيراد التفاصيل لمختلف جوانب عمل المؤسسات الحكومية الإدارية منها و الخدمية ، اذ تضمنت معلومات و إحصاءات و أرقام كان لها الدور المهم في ترصين مختلف معالجات الكتاب .
اما التقارير الخاصة بالموظفين البريطانيين سواء الذين كانو يعملون في الحكومة العراقية او الذين يعملون في الهيئات البريطانية الرسمية او غير الرسمية ، فقد أكدت لنا وجهة النظر البريطانية اتجاه الكثير مما يجري في النجف ، او ما يتعلق بها من شؤون إدارية و اقتصادية و سياسية و اجتماعية ، كما تضمنت آراء صريحة عن الكثير من الشخصيات النجفية من الأهالي و المقيمين الأجانب ، ممن كان لهم دور في التأثير على مجريات الحياة العامة في المدينة للحد الذي لم يكن بالإمكان التصريح بها او التعامل معها بسبب ما يمكن ان تحدثه من إحراجات لدى بعض الذين ما زالو أحياء ، او لدى أُسر المتوفين منهم .
اما الوثائق غير المنشورة المحفوظة في أرشيف دار الكتب و الوثائق ، فهي على الرغم من أهميتها ، جاءت استفادتي منها قليلة ، بسبب قلة المتوفر منها فيما يخص الجانب الاجتماعي للنجف أولا ، ووجود النسخ الأصلية لها ، او الثانية منها في أرشيف وزارة الداخلية .
اما الوثائق غير المنشورة الخاصة بأرشيف الدوائر و المؤسسات الحكومية الرسمية التي مثلت قضاء النجف او متصرفية لواء كربلاء فلم يبق منها شيئاً يذكر ، بسبب ما تعرضت له من حرق و تدمير خلال سنة 1991 ، ثم استكمل على ما قد تبقى منها سنة 2003 . لذلك تم الاعتماد على ما توفر من وثائق لهذه الدوائر و المؤسسات مما حفظ في أرشيف وزارة الداخلية ، و دار الكتب و الوثائق .
كما تم الاستعانة بالكثير من الوثائق المنشورة الخاصة بالحكومات العراقية كالإحصاءات السكانية ، و الثقافية ، و ما صدر عنها من قوانين , و أنظمة , و قرارات , و بيانات ، فضلاً عما أصدرته متصرفية لواء كربلاء من نشرات .
و فيما يخص الصحافة فقد تم الرجوع الى أعداد كثير من الصحف و المجلات العراقية و العربية خصوصاً الصادرة منها في النجف على الرغم من طابع تضخيم الأحداث الذي تتصف به الصحافة عموماً ، و الطابع الأدبي و الديني الذي تتصف به صحافة النجف بشكل خاص . و بالرغم من كثرة الصحافة النجفية و عراقتها ، فأنها تناولت الجوانب الاجتماعية في المدينة بحذر لسببين : الأول الخوف من الرقابة الحكومية التي كانت لا تتأخر في غلق أي صحيفة او مجلة تنشر المواضيع التي تنتقد او تتعرض للسياسات الحكومية ، او القصور الحاصل في التخطيط او التنفيذ لمشاريع الإدارة و العمل و الخدمات . و الثاني ان هذه الصحافة كانت في الغالب تعمل وفق قوالب مفرغة على حساب ثوابت الأعراف و التقاليد السائدة في المدينة , اكثر مما هي على حقائق الأمور ، فالخطوط الحمراء في مجتمع النجف كثيرة و ليس من السهل تجاوزها ، لذلك كانت صحافة النجف توفيقية اكثر مما هي سلطة رابعة .
ان هدف هذه الدراسة ، هو عرض لأحداث و مواقف التاريخ الاجتماعي التي مرت بها المدينة ، و تحليل لمقومات شخصية الفرد و طبيعة المجتمع في النجف ، بموجب ما استطعت الاطلاع عليه من خلال الوثائق السرية للعديد من المؤسسات الحكومية و الأهلية ، و المصادر . توسعت بالبحث حيناً حينما كان التوضيح يتطلب النزول الى مستوى التفاصيل ، و أوجزت حيناً آخر ، بالقدر الذي سمعت به الوثائق ، و المصادر ، و طبيعة الموضوع . و لم يكن في خطتي ان أكون داعيةً لرأي او وجهة نظر او قضية ، و لا متبنياً لفكرة على حساب أخرى ، بل حاولت جهد إمكاني ان أكون باحثاً مجداً وراء الحقيقة أينما كانت ، مستر شداً بأصول البحث العلمي و تقاليده الأكاديمية ، و مبتعداً عن التصوير المثالي و الوعظي .
ان جهدي المتواضع هذا كان نتاج تطواف وجمع لكل ما استطعت الوصول اليه من والوثائق ، و المصادر ، و المعلومات ، لكنه مع ذلك لم يستقص كل ما هو مطلوب ، و لم يبلغ ما كنت أرجو اليه ، فالظرف كان اكبر منا جميعاً ، و كم من مرة كاد ان يكون الدم ثمناً للبحث عن معلومة ، او مصدر عز الوصول اليه . و ربما كنت مخطئاً في موضع ما ، او ربما كنت مغالياً في موضع آخر ، او ربما كان في بعض الزوايا خبايا لم أصل إليها ، و ما أكثر الخبايا في النجف .
هذا ما أوقفني عليه جهدي ، و لعل هناك ما فاتني ، و فوق كل ذي علم عليم .
المؤلف
الدكتور عبد الستار شنين الجنابي