Benner
عباس علي كاشف الغطاء ( أستاذ )
كلية الفقه - الفقه الاسلامي واصوله
[email protected]
07801404394
 
 
 
الدين النصيحة
تحميل
بحث النوع:
دراسات اسلامية التخصص العام:
مؤسسة كاشف الغطاء العامة اسم الناشر:
اسماء المساعدين:
مؤسسة كاشف الغطاء العامة الجهة الناشرة:
مؤسسة دينية علمية لنشر علوم اهل البيت والحفاظ على التراث الاسلامي  
2011 سنة النشر:

الخلاصة

الحمد لله الذي نصحنا بالقرآن والحديث لمعرفة الفرائض والسنن، والصلاة والسلام على أهل بيت العصمة الذين أنجانا الله تعالى بمشورتهم من أمواج الفتن، وأغنانا بعلمهم عن اجتهاد الرأي والقول بالظن. وبعد: فلما كان العدل هو أساس علاقة الإنسان فإن العدل بين العبد وربه هو إيثار حق الله تعالى على حق نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر. وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها, قال الله تعـــالى: [وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى]([3]) وعزوب الأطماع عن الإتباع ولزوم القناعة في كل حال. وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة, وترك الخيانة, وقد وفقني الله سبحانه وتعالى أن أكتب في أهم موضوع لبناء المجتمع الإسلامي الأمثل ألا وهي النصيحة -وهي العدل بين الإنسان وأخيه- التي حث الشارع المقدس عليها, بل اعتبرها الدين بكامله، بعدما انْسَدَ باب النصيحة في هذا الزمان الذي صار فيه التلبس بالمعاصي والذنوب والآثام شعار الأنام فيما التصق الإنسان بالمادة العمياء، وأصبحت بديهياتها شاخصة أمام عينيه في كل حركة من حركاته، فصار رهين التطور المادي، ولجعله وسطاً علينا أن نستحضر أمامه بديهيات الدين دائماً ومنها النصيحة. إن النصيحة من أهم مقومات المودة وأعظم لوازم المحبة، ولم تتم الأخوة ما لم تكن النصيحة رائدها وباعثها، ومن لم يكن ناصحاً لأخيه فليس بأخ، وهي الدرع الحصين من وقوع المؤمن في الوقائع التي لا يرغب بها, أو التي حذر الشارع منها، فمثلاً لو استشار الخاطب, أو طلب النصيحة في زواجه لبنى أسرته في أفضل صورها، ولتعلم أبناؤُهُ أفضل التعليم، ولكن إهماله لها قد يجرّه إلى تطبيق بعض الأحكام الشرعية التي هي لمعالجة ظرف استثنائي, كالطلاق الذي هو أبغض الحلال عند الله تعالى. ومن المؤسف عندما يستشير شخص آخر ويطلب منه النصيحة في موضوع ما, فالإجابة غالباً ما تكون على مستويين: المستوى الأول: هو الامتناع عن النصيحة بعذر ان ورعه وتقواه يحتم عليه ذلك، ويعتبر امتناعه عن الإجابة هو السلوك الصحيح, والمناخ الصحي في عصرنا. والمستوى الثاني: ان يتوسع في الإجابة أكثر مما هو المطلوب, مصحوباً بالمبالغة إما بذكر العيوب مثلاً إذا كان كارهاً أو بذكر المحاسن إذا كان محباً، فهنالك إفراط وتفريط وهذا ما دعاني إلى أن أكتب في النصيحة تبياناً لضوابطها وأحكامها وإيضاحاً لاهتمام الشارع المقدس بها. كما ان الدراسات والبحوث العميقة المتكررة للأبواب الفقهية قد غيبت بعض المفاهيم الإسلامية البديهية, ومثالها النصيحة التي هي الركن الأساسي للشخصية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي، والتي تمس حياتنا اليومية بصورة مباشرة، على أنّ جلّ الفقهاء, والمفكرين المسلمين, لا يبرّزون مثل هذه البحوث؛ لأنها في أذهانهم بحكم الواضحات, بينما تغصّ المكتبة الإسلامية في بحوث الأحكام الشرعية الفرعية من كتاب الطهارة والصلاة والصوم وغيرها من الأبواب الفقهية, حتى في مسائلها الافتراضية, أو النادرة الوقوع، والملحوظ حفظ طالب الحوزة العلمية جميع إشكالات المنطق والنحو والفلسفة وأجوبتها, بينما إذا سألته كيف تنصح أخاك المؤمن؟ وما هي ضوابط النصيحة؟ ومتى تجب النصيحة؟ قد لا تحصل على الإجابة الدقيقة بمستوى دقته في الإجابة عن مسائل المنطق والفلسفة والنحو وغيرها. بل تكلَّمَ المكلفون العوام في مسائل التقليد والاجتهاد والأعلمية, وسألوا عنها, بينما غالبيتهم لا يعرفون أي حكم شرعي يخص النصيحة؟ وقد يتخيل المكلف العامي بان مستحبات العبادة هي الطريق الأوحد في تحصيل الحسنات بعد الواجبات، وقد فاته ان الشارع المقدس أكد على مستحبات مثل النصيحة لها صلة ببناء المجتمع الإسلامي أعظم ثواباً, وأجزل حسناتٍ, والذي يخون فيها كمن خان الله ورسوله. ان منهجية الباحثين والمفكرين المسلمين في وقتنا الحاضر تتسم غالباً بالعقل النقدي, فهي تنتقد وتُشْكِلُ, وترد أكثر مما تبدع وتطور وتبني, فقد غُيّب عنا العقل الإبداعي, وأصبح ميزان فضيلة العلم عندنا بقدر ما يُشْكِلُ ويعترض على الآخرين، بينما إذا سأل سائل ما البديل؟ لم يكن عنده الجواب إلاّ التلجلج والدوران في محور عقيم. فالمطلوب هو الاهتمام بالبحوث والدراسات الإسلامية التي تقوّم المجتمع المسلم, وتبنيه في وقتنا الحاضر. وفي الختام اسأل الله تعالى ان يكون عملنا هذا لطاعته واجتناباً لمعاصيه، وييسر لنا بلوغ ما نتمنى من رضوانه, وان يحلنا في بحبوحة جنانه، وان يرزقنا التوبة النصوح حتى نخلص النصيحة حباً له.