Benner
قبس ابراهيم الحسون ( أستاذ )
كلية التربية - التربية الفنية
[email protected]
 
 
 
محاضرة تعريف فن التمثيل
أ.م.د. قبس ابراهيم / قسم التربية الفنية – كلية التربية تعريف فن التمثيل ذكر أرسطو في كتابه فن الشعر بان الفن تقليد للطبيعة . ان كلمة (فن) لغة تعني (تزين الشيء ) وكلمة (مثل) لغة تعني (صار مثله) ، ولذا فان فن التمثيل ما هو الا تقليد للصور والأحداث والحالات المختارة من الحياة نفسها توضع مجسدة على المسرح من قبل الممثلين وما يحيط بهم من مناظر وملابس وأدوات وأمور أخرى ينظمها المخرج . ولكن التقليد التام لا يكون فنيا إن لم تأت معه إضافة الفنان . ويمكن تعريف فن التمثيل على انه قابلية الشخص على ان يجعل من الاشياء مثيلا بشكل مزين او القابلية على التقليد ، ووفقا لذلك فان الممثل هو ذلك الشخص الذي يتكون في داخله خزين من الانطباعات الحياتية والتي يشعر بالحاجة الملحة إلى إظهارها وكشفها إلى جمهور المتفرجين عن طريق الكلام والحركة. ان التمثيل ليس مجرد الوقوف او التحرك فوق منصة مرتفعة، ونطق كلمات الدور بصوت جهوري، مرتعش، بل هو حالة وجودية متميزة تثير في ذاتها مجموعة من الازدواجيات المعقدة التي تجعل من فن الممثل اكثر موضوعات الفن المسرحي صعوبة . ان التمثيل هو حرفة الممثل ومهمته تجسيد وتفسير الشخصية المسرحية المحاكاة عن طريق التعبير القولي ، والجسمي ، والشعوري . والتمثيل مهنة قديمة قدم اول انسان شارك في تادية الطقوس الدينية ، للتعبير عن ذاته بالايماء ، والرقص ، ثم بالحوار الدرامي والحركي . ولقد عد ثسبس (500 ق.م ) ابو الدراما اليونانية ، لانه اول من اضاف ممثلا الى الجوقة وقائدها ، ثم اضاف اسخيلوس الممثل الثاني . اما سوفوكليس فقد قدم الممثل الثالث فازاد من قيمة الحدث الدرامي في الاداء وقلل من اهمية الجوقة . ولاشك ان التمثيل القديم ، كان يعتمد على الالقاء المضخم ، وعلى التهويل في تشكيل الحركة والنبرة ، ولكن بظهور المدارس المذهبية كالواقعية ، والطبيعية ، والرمزية ، اصبح للتمثيل مدارس واصحاب نظريات ، مثل : كوكلان الذي يعتقد بان التمثيل ليس تقمصا ولكن تشخيصا ، وستانسلافسكي الذي يحبذ تقمص الممثل لدوره ، وبريشت الذي ينادي بجعل الممثل راويا محايدا . ان الممثل براي المحدثون هو من مثّل الرواية أي عرضها على المسرح. واخذ دوراً في الرواية اي لبس الشخصية أحد ابطالها وتشبه به في حركاته وأحواله واعماله .والممثل هو القائم بدور أحد اشخاص الرواية التمثيلية المعروضة على المسرح او شاشة السينما او على شاشة التلفاز ، كما يعرف بأنه الشخص الذي يؤدي دوراً في عرض تمثيلي ، وايضا يعرف بأنه فنان وظيفته ان يلعب دوراً على المسرح أو السينما متقمصاً شخصية من شخصيات الحادثة القصصية . ستانسلافسكي (1863-1938م). قسطنطين ستانسلافسكي مخرج روسي رائد الحركة الواقعية في المسرح أكد على أهمية الواقعية النفسية في أداء الممثل حيث الفعل الداخلي يحرك الفعل الخارجي وأهمية التقمص مستخدما الأسلوب التمثيلي في تعامله مع الممثل . الممثل قاعدة ارتكازية استند عليها (ستانسلافسكي) في العملية المسرحية اضافة للنص ،فاعتبر الممثل هو المسؤول عن نقل افكار المؤلف من خلال النص الى المتلقي ، والتزم بواقعية الفن المسرحي والتجا الى اعتبار السيادة العاطفية هي المحور الرئيسي لعمله مع ممثليه، والذي فرض ان يتعامل مع حركة الممثل بشكل يتلاءم مع الفعل لاداخلي للممثل ، فطريقته التي تؤكد على عملية اعداد الدور تبدأ من الداخل الى الخارج وبذلك تخضع دراسة الحركة كفعل منعكس ناتج عن الفعل الداخلي الى دراسة نفسية وواقعية مرتبطة بالبيئة والمجتمع ، وبهذا فان (ستانسلافسكي) لا يفصل مجمل بحثه في طريقته لعمل الممثل بالتزامه بواقعية الاداء وصدق الارتباط مع البيئة والمجتمع ، للوصول الى عملية المطابقة الخارجية والتماثل بين الوهم المقدم على خشبة المسرح والحياة ، وهذا ما يطلق عليه بالمماثلة السيميولوجية للحركة (الايقونة) بمعنى ان الدلالة تكون متشابهة ومطابقة مع مدلولها في الواقع ، وقد تحقق هذا التطابق من خلال المعرفة الدقيقة في استخدام مستلزمات العرض المسرحي وادوات المخرج، حيث يؤكد (ستانسلافسكي) من خلال اطروحاته الفنية على ان ظاهر الفعل المسرحي وشكل الجسد يتحدد بحدود الدلالة وفق المقاربة الايقونة بينهما . ان الجسد الخارجي لا ينقل الى الجمهور معنى محددا الا اذا تشكل في صورة لها مدلول ، وهو بهذا انما يقصد التقارب البنائي بين الدراسات النفسية والشكلانية حيث ان المضمون لديه (النفسي) تحديدا ، يعبر عنه بالضرورة في التشكيل الحركي والصورة على حد سواء ، فالحركة الجسدية تنشأ من الدافع النفسي الذي يوجده الممثل في ذاته لتكون الحركة الجسدية اكثر صدقا واقرب الى الواقع الذي ينشده . ان الفعل الجسدي الذي ينشده (ستانسلافسكي( يمر بوحدات صغيرة ترتبط جميعها بالهدف الاعلى للمسرحية الذي لابد ان يكون واضحا ً ومبررا بكامل تفاصيله وحركاته واشاراته وافكاره التي لابد ان تمتزج مع الفكرة الرئيسة ، ويعمل على تجسيدها وايصال معناها الفلسفي لذلك يترتب على الممثل ان يتدرب تدريباً نفسيا وفيزيقيا عالياً ، لكي يحقق حركة جسدية قادرة على الوصول بالمتلقي الى حالة الوهم بحيث تاتي متطابقة للتركيب البيولوجي والسيكولوجي للشخصية التي تصل اليها من خلال السفر داخل الشخصية والتماهي معها ، أي تغيير ملامحه الخاصة وتبديل حركاته وتصرفاته وصورته زكل سماته المميزة بحيث يمكن الحديث عن تاليف او تاسيس الهوية الجديدة هي هوية الكائن الوهمي المسمى بـ(الشخصية) ، والتي تتجسد ايقونيا بجوهرها وشكلها من خلال حركة جسد الممثل وصوته بحيث تشابه ما موجود مثلها في الحياة بشكل مكيف مع واقع العرض المسرحي . ومما تقدم فان (ستانسلافسكي) وانطلاقا من فكرة الواقع المنعكس على خشبة المسرح ، اتخذ من الجسد دالة ايقونة مكملة للفعل الحواري وصولا به الى صدق العاطفة المحركة له ليعطي اداء يحقق الايهام للمتلقي بان مايراه هو الواقع ، عبر عملية تجسيد الشخصية المسرحية (الدور) بتوظيف الممثل لادواته ، صوته ، جسده، على خشبة المسرح ، باعتبار ان الممثل هو عنصر اساس ضمن منظومة العرض المسرحي التي استند عليها (ستانسلافسكي) تركيز الانتباه لكي يحرر الممثل نفسه من تاثير صالة المتفرجين ، فلابد ان يهتم بشيء ما على المنصة . ينبغي للممثل ان يكون منجذبا الى نقطة انتباه . ونقطة الانتباه هذه يجب الا تكون في قاعة النظارة ، وكلما كان الشيء اكثر جاذبية كان اقدر على تركيز الانتباه . انه لمن اللازم ان يتعلم الممثل النظر الى الاشياء على المنصة ورؤيتها . إن الملاحظة الشديدة لشيء ما تثير بطبيعة الحال الرغبة في ان يصنع الممثل به شيئا . فاذا صنع الممثل به شيئا ادى ذلك بدوره الى زيادة تركيز انتباهه فيه. ويؤلف رد الفعل الداخلي المتبادل هذا رابطة اقوى مع الشيء الذي هو موضوع انتباهه . يجب على الممثل ان يعين مراكز انتباهه على مسافات بعيدة او متوسطة البعد ان يتعلم كيف ينظر الى الاشياء على خشبة المسرح . كما يجب عليه ان يعلم نفسه طريقة الرؤية على خشبة المسرح وطريقة الاصغاء والاستماع . وتتالف دائرة الانتباه من ابعاد كبيرة او صغيرة . وتتضمن سلسلة من مواضع مستقلة من اشياء مختلفة . وقد تنتقل العين من موضع الى اخر من هذه المواضع ، ولكن لاينبغي لها ان تذهب ابعد من حدود دائرة الانتباه . وهنالك دائرة الانتباه المتحركة والتي تنحصر مثلا في الطوق الذي يمكن للممثل حمله ويسير وكلما سار حصل على صورة دائرة الانتباه المتحركة والتي عليه ان يتعلم كيف يحملها معه اينما ذهب . كما ان هنالك نوع اخر من الانتباه هو الانتباه الداخلي الذي يتركز في اشياء يراها الممثل . ويسمعها ويلمسها ، ويشعر بها في ظروف متخيلة . الانتباه ضروري لاندماج الممثل بدوره على المسرح كان يتكلم مع شخص ويصغي له الآخر. والإصغاء معناه أن المصغي يرى ما يقوله الشخص المقابل بأعين عقله فإذا كان يصغي فعلا لاستطاع أن يرى ما يقوله المقابل بأعين عقله ويعرضه على الجمهور لقد اعتاد الممثلون القدماء وخاصة المبرزين منهم ، إن لا يصغوا إلى الممثلين الآخرين عندما يتكلمون على المسرح ولا يتحسس ولا يفكر بما يقوله الممثل المقابل ولا يظهر أي رد فعل تجاه الكلمات التي يسمعها . قال لويس جوفيه الممثل الفرنسي الشهير (كل الممثلين تقريبا يستطيعون أن يتكلموا ولكن قليلا منهم من يستطيع الإصغاء ). لذا نرى كثيرا من الممثلين لا يقومون بأي عمل على المسرح فلا يتكلمون ولا يتحركون وهم في الواقع يعملون كل شيء بان يصغوا ويجعلونا نرى تأثير إصغائهم. لوحدات والأهداف المسرحية يجب على الممثل ان يتقدم في طريقه غير حافل بالتفاصيل العديدة ، انما يكون احتفاله بتلك الوحدات الهامة التي تعين خط سيره وكانها الاشارات ، وتجعله لايحيد عن الاتجاه الابداعي الصحيح . وعلى الممثل ان يتذكر دائما ان التقسيم اجراء مؤقت . اذ يجب الا يبقى الدور والمسرحية منقسمين الى اجزاء متناثرة . اما طريقة التقسيم فهي تبدا عندما يسال الممثل نفسه . ماهو لب المسرحية . وماهو الشيء الذي لايمكن ان توجد المسرحية اذا لم يوجد ؟ وبعد ذلك يجب ان يدرس النقاط الرئيسية دون الدخول في التفاصيل . ان الغرض من تقسيم المسرحية الى وحدات هو دراسة بناء المسرحية والكشف عن الهدف الابداعي الذي يكمن في صميم كل وحدة من الوحدات ، ويمكن معرفة الاهداف الصحيحة بالطريقة الاتية : 1. يجب ان تكون الاهداف محصورة في الجزء الذي تمثل فيه من المنصة وبالاحرى يجب ان تكون الاهداف مرتبطة بالممثلين الاخرين لا بالمتفرجين. 2. ينبغي ان تكون الاهداف نابعة من شخص الممثل ، ومماثلة في الوقت نفسه لاهداف الشخصية التي يصورها . 3. يجب ان تكون اهدافا خلاقة وفنية . اذ ينبغي ان تنحصر مهمتها في الوفاء بالغرض الاساسي في فن التمثيل وهو خلق حياة لروح انسانية والتعبير عنها في صورة فنية . 4. ينبغي ان تكون اهدافا حقيقة وحية وانسانية . ولا ينبغي ان تكون ميتة او تقليدية او من النوع الذي اصطلح على وصفه بالنوع “المسرحي”. 5. ينبغي ان تكون اهدافا صادقة بحيث يستطيع الممثل ويستطع الممثلون المشتركون معه ويستطع المتفرجون الايمان بصدقها . 6. ينبغي ان تتسم بالقدرة على اجتذاب الممثل وتحريك مشاعره. 7. يجب ان تكون واضحة ومستوحاة من طبيعة الدور الذي يؤديه الممثل كما يجب الا يشوبها أي غموض ، وان تكون ملتحمة بنسيج دوره . 8. ينبغي ان يكون لها قيمة ومضمون يتناسبان والحقيقة الداخلية لدور الممثل ، ولهذا يجب الا تكون ضحلة لاتمس من الدور سوى سطحه الخارجي. 9. ينبغي ان تكون فعالة بحيث تدفع بالدور الى الامام ولاتدعه يتوقف عن الحركة ويركد . وهنالك ثلاثة انواع من الاهداف : الاهداف الخارجية او الجسمانية والاهداف الداخلية او النفسية . والاهداف ذات الطابع النفساني البسيط . وفي كل هدف جسماني يوجد عنصر نفسي والعكس صحيح اذ يصعب فصل احدهما عن الاخر.وكل هدف يجب ان يحمل في طياته بذور الحركة والفعل . ففي كل حركة جسمية عنصر نفسي ، كما ان في كل فعل نفسي عنصرا جسميا . لان الرابطة بين الجسم والنفس رابطة لاتنفصم . وحياة احدهما مصدر لحياة الاخر . الذاكرة الانفعالية خلال السنوات التي هجر ستانسلافسكي تماما وسائله في إثارة عواطف الممثل بوساطة ذكريات المجربين . وقد أقنعه المران بان الأسلوب غير المباشر لتحريك العواطف بمساعدة العمل المنطقي المحكم القوي سيجعل حواس الممثل تعمل حتما. وعندما تعمل الحواس سيصبح الممثل بحالة نفسية ملائمة و تستوضح عواطفه بصورة طبيعية. وبوساطة (الذاكرة الانفعالية ) نستطيع استرجاع تجارب وعواطف عشناها مع الآخرين وذلك بمساعدة التركيز والاسترخاء والإيمان فإذا ما أعيت الحيلة الممثل كي يجد المشاعر المناسبة للمشهد عليه أن يستعين باسترجاع ذكرياته عن الماضي ليعثر على حالة – مشابهة للحالة التي يمر بها ويبدأ يتصورها وبالتالي بذلك التصور فهو في الحقيقة سيقوم بإحياء ذكريات الماضي ويبعث فيها الحياة من جديد . نستطيع أيضا أن نسترجع كثيرا من التجارب الحسية بوساطة الحواس الخمسة فبوساطة الذكرى البصرية نستطيع أن نرى شخصا أو مكانا ما أو شيئا ما كنا قد رأيناه مرة واحدة وبوساطة الذكرى الصوتية يمكننا أن نسمع صوت إنسان التقينا به مرة . وكذلك بوساطة الشم والتذوق نستطيع أن نسترجع بعض الحواس المشابهة التي أحسسنا بها في الماضي. إن ذكرى الحواس لها تأثير كبير على ذكرى العاطفة فقد يسترجع لنا عطر معين ذكرى شخص كان يستعمله ، وقد تعيد إلينا سلسلة من التجارب العاطفية التي لها علاقة بذلك الشخص أو ذكراه . كما إن مذاق طعام ما يعيد للذكرى مناسبة معينة بجوها الكامل والعواطف التي سادت تلك المناسبة ويؤشر على العلاقات بين الناس المدعوين . إن الذاكرة الحسية تقوم على العلاقة بين تجارب حواس الممثل الخمس وبين ذاكرته الانفعالية. فكما أن ذاكرة الممثل البصرية تستطع استحضار صور باطنه لأشخاص أو أماكن أو أشياء عفى عليها النسيان ، فان ذاكرة الممثل الانفعالية تستطيع أن تبعث في نفسه المشاعر التي خالجته من قبل . وبذلك ، فإن الذكرى العاطفية هي كل ما يخالج الإنسان من مشاعر مثل الخوف ، التوجس ، الأمل ، الشك ، وهي نتيجة أفعال وأحداث مر بها الإنسان والتي اختزنها بذاكرته عبر فترات طويلة من الحياة ويستطيع الإنسان استعادتها ويتذكر من خلالها أفعاله و مشاعره وانعكاساتها النفسية التي مر بها . وعلى صعيد المسرح هي استرجاع الممثل لذكرياته الانفعالية التي حدثت بالماضي ليعثر على حالة مشابهة لحالة الشخصية التي يجسدها من اجل الحصول على الشعور الصادق بالدور الذي يجسده. الدور المسرحي